السيد محمد الصدر
59
منة المنان في الدفاع عن القرآن
نعم ، القيمة - بما أنَّها وصفٌ - لا يمكن أن تحضر إلّا بالعمل ؛ لأنَّ الوصف لا يحضر إلّا بالموصوف ، والذي يحضر هو القيمة الأخلاقيّة . وهنا أيضاً لا نحتاج إلى تقدير القيمة الأخلاقيّة ؛ لأنَّ العمل بمنزلة العلّة ، والقيمة بمنزلة المعلول ؛ لأنَّه متأخّرٌ عنها رتبةً لا وجوداً وزماناً ، أو قل : إنَّ العمل نظير ما لو نظرت إلى زيدٍ من الناس فوجدته أسمر أو أبيض ، فتدرك بأنَّ زيداً أسمر أو أبيض بإدراكٍ واحدٍ ، أي : بنفس الإدراك العرفي ، ولا يضرّ إدراك الإثنينيّة بالتحليل العقلي . وقد تحصّل إلى الآن أنَّنا قد فهمنا من عَلِمَتْ عدّة أُمور ، كما فهمنا من أَحْضَرَتْ ونَفْسٌ عدّة أُمور أيضاً ، فنوكل إلى القارئ اللبيب ضرب هذه الاحتمالات بعضها ببعض لاستنتاج الأُطروحات والمعاني الحاصلة من ذلك . * * * * قوله تعالى : فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ : إنَّما ذكرتُ الآيتين معاً ؛ لأنَّهما ذات سياقٍ واحدٍ ومضمونٍ واحدٍ ، أي : كأنَّهما آيةٌ واحدةٌ ، وإن كان القرّاء يضعون فاصلةً أو نقطةً بينهما . والغرض : أنَّ الله سبحانه أعطى ثلاث صفاتٍ لموصوفٍ محذوفٍ في الآيتين ( الخنّس ، الجوار ، الكنّس ) الذي هو مدخول القسم ، فكلّها صفاتٌ لأمرٍ مقدّرٍ . وقد فهم المشهور من هذا الأمر المقدّر الكواكب أو النجوم ، وهذا باب ستأتي الإشارة إليه لاحقاً . قوله : فَلَا أُقْسِمُ نفي القسم لا إيجاده ، وقد سبق الكلام فيه في غير موردٍ ؛ كما في سورة البلد في قوله تعالى : لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ « 1 » وفي سورة
--> ( 1 ) سورة البلد ، الآية : 1 .